فصل: الْقَوْلُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَحُكْمُ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (نسخة منقحة)



.الْقَوْلُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَحُكْمُ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ:

وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى: فَمُجْمَعٌ أَيْضًا عَلَيْهَا لِوُرُودِ الْكِتَابِ بِذَلِكَ وَالسُّنَّةِ.
أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}.
وَأَمَّا السُّنَّةُ: فَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ: «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَقَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ، أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ». وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى مَنْ لَا تَجِبُ؟
وَإِذَا وَجَبَتْ فَمَا هِيَ الْفِدْيَةُ الْوَاجِبَةُ؟
وَفِي أَيِّ شَيْءٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ؟
وَلِمَنْ تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ، وَأَيْنَ تَجِبُ؟
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَمَاطَ الْأَذَى مِنْ ضَرُورَةٍ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَمَاطَهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ حَلَقَ دُونَ ضَرُورَةٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا، أَوِ النَّاسِي فِي ذَلِكَ وَالْمُتَعَمَّدُ سَوَاءٌ؟
فَقَالَ مَالِكٌ: الْعَامِدُ فِي ذَلِكَ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي. فَمَنِ اشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ الضَّرُورَةَ فَدَلِيلُهُ النَّصُّ. وَمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَهِيَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ أَوْجَبُ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فَلِتَفْرِيقِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ: تَعَالَى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ». وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَقِيَاسًا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُفَرِّقِ الشَّرْعُ فِيهَا بَيْنَ الْخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ.
وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ عَلَى التَّخْيِيرِ: الصِّيَامُ، وَالْإِطْعَامُ، وَالنُّسُكُ، لِقَوْلِهِ: تَعَالَى: {فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ}. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَأَنَّ النُّسُكَ أَقَلَّهُ شَاةٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِطْعَامُ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَالصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ. وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ: حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ فَقِيَاسًا عَلَى صِيَامِ التَّمَتُّعِ وَتَسْوِيَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْإِطْعَامِ، وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْلِهِ: تَعَالَى: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا}.
وَأَمَّا كَمْ يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ السِّتَّةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ: فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمُ: الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَصْلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ: فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةِ مَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ يُؤْذِيهِ فِي رَأْسِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَرَضُ: أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمَرَضُ: الصُّدَاعُ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا مُنِعَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ أَنَّهُ إِذَا اسْتَبَاحَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ - أَيْ: دَمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ أَوْ إِطْعَامٍ -، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّرَرِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ شَيْءٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ دَمٌ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ مَنْعَ الْمُحْرِمِ قَصَّ الْأَظْفَارِ إِجْمَاعٌ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ بَعْضَ أَظْفَارِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِنْ أَخَذَ ظُفْرًا وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخَذَ ظُفْرَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ ثَلَاثًا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُصَّهَا كُلَّهَا. وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: يَقُصُّ الْمُحْرِمُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ وَهُوَ شُذُوذٌ، وَعِنْدَهُ أَنْ لَا فِدْيَةَ إِلَّا مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ فَقَطْ لِلْعُذْرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ. وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ حَلْقِ شَعْرِ الرَّأْسِ للمحرم، وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ للمحرم، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ. وَقَالَ دَاوُدُ: لَا فِدْيَةَ فِيهِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَتَفَ مَنْ رَأَسَهُ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ أَوْ مِنْ لَحْمِهِ وهو محرم، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى مَنْ نَتَفَ الشِّعْرَ الْيَسِيرَ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَاطَ بِهِ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الشَّعْرَةِ مُدٌّ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ دَمٌ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ صَاحِبُ مَالِكٍ: فِيمَا قَلَّ مِنَ الشَّعْرِ إِطْعَامٌ، وَفِيمَا كَثُرَ فِدْيَةٌ. فَمَنْ فَهِمَ مِنْ مَنْعِ الْمُحْرِمِ حَلْقَ الشَّعْرِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ سَوَّى بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ. وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَنْعَ النَّظَافَةِ وَالزَّيْنِ وَالِاسْتِرَاحَةِ الَّتِي فِي حَلْقِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَيْسَ فِي إِزَالَتِهِ زَوَالُ أَذًى. أَمَّا مَوْضِعُ الْفِدْيَةِ: فَاخْتَلَفُوا فِيهِ: فَقَالَ مَالِكٌ: يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ أَيْنَ شَاءَ، بِمَكَّةَ وَبِغَيْرِهَا، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ، وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَالَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ هَاهُنَا هُوَ نُسُكٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ، فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِيَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ ابْنُ الْعَبَّاسِ: مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ. وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ دَمَ الْإِطْعَامِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: اسْتِعْمَالُ قِيَاسِ دَمِ النُّسُكِ عَلَى الْهَدْيِ، فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ، وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا فَسَمَّى أَحَدَهُمَا نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ هَدْيًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا.
وَأَمَّا الْوَقْتُ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ. فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى. وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَوْ هُوَ مِمَّا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُ؟
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ، قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ». وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ، وَأَنَّ سَنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟
الحلق أو التقصير فَقَالَ مَالِكٌ: الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ بِمَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ. وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا.
الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَمَتِّعِ وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْمُتَمَتِّعِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ: سُبْحَانَهُ: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} الْآيَةَ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ؟
وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ. وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِعَيْنِهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟
وَمَا الْوَاجِبُ فِيهَا؟
وَمَتَى تَجِبُ وَلِمَنْ تَجِبُ، وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَجِبُ؟
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ الكفارة: فَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ شَاةٌ. وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: تَعَالَى: {فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ} أَيْ: بَقَرَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَقَرَةٍ، وَبَدَنَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَدَنَةٍ. وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ. وَاخْتَلَفُوا مِنْ حَدِّ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ وَاجِبُهُ إِلَى الصَّوْمِ وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي صَوْمِ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ. وَسَبَبُ الْخِلَافِ هُوَ: هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا؟
وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ هِيَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالسَّبْعَةُ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ الثَّلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِهَا فِي مَحِلِّهَا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: {فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ}. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ عَمَلِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ الثلاثة أيام التي في الحج، أَوْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، فَأَجَازَ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، وَمَنْعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ: إِذَا فَاتَتْهُ الْأَيَّامُ الْأُولَى وَجَبَ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَمْ لَا؟
وَإِنِ انْطَلَقَ فَهَلْ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ أَنْ لَا تُجْزِئَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا؟
فَمَنْ قَالَ: لَا تُجْزِئُ كَفَّارَةٌ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا قَالَ: لَا يُجْزِي الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ، وَمَنْ قَاسَهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ قَالَ: يُجْزِي. وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا صَامَ السَّبْعَةَ الْأَيَّامَ فِي أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ: فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُ الصَّوْمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِئُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: سُبْحَانَهُ: {إِذَا رَجَعْتُمْ} فَإِنَّ اسْمَ الرَّاجِعِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنَ الرُّجُوعِ، وَعَلَى مَنْ هُوَ فِي الرُّجُوعِ نَفْسِهِ. فَهَذِهِ هِيَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي ثَبَتَتْ بِالسَّمْعِ، وَهِيَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا. وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ إِمَّا بِفَوْتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ غَلَطِهِ فِي الزَّمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ، أَوْ إِتْيَانِهِ فِي الْحَجِّ فِعْلًا مُفْسِدًا لَهُ، فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ حَجًّا وَاجِبًا. وَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟
وَاخْتَلَفُوا فِيهِ. وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟
الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ لِكَوْنِ النُّقْصَانِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ مُشْعِرًا بِوُجُوبِ الْهَدْيِ. وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لَا هَدْيَ أَصْلًا وَلَا قَضَاءَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ وَاجِبٍ، وَمِمَّا يَخُصُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهِ الْمُفْسِدُ لَهُ، وَلَا يَقْطَعُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ. وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: هُوَ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ. وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ: تَعَالَى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ}. فَالْجُمْهُورُ عَمَّمُوا، وَالْمُخَالِفُونَ خَصَّصُوا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهَا الْمُفْسِدَاتُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلْحَجِّ إِمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَتَرْكُ الْأَرْكَانِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ رُكْنٌ مِمَّا لَيْسَ بِرُكْنٍ.
وَأَمَّا مِنَ التُّرُوكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا فَالْجِمَاعُ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا وَقَعَ فِيهِ الْجِمَاعُ كَانَ مُفْسِدًا لِلْحَجِّ.

.الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ:

فَأَمَّا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى إِفْسَادِ الْجِمَاعِ لِلْحَجِّ فَلِقَوْلِهِ: تَعَالَى: {فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ}. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى. وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ بَدَنَةً وَحَجُّهُ تَامٌّ. وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَحَجُّهُ تَامٌّ، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمُ الْهَدْيُ. وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا يُشْبِهُ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ - وَهُوَ الْإِفَاضَةُ -، وَتَحَلُّلًا أَصْغَرَ. وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْجِمَاعِ تَحَلُّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ الَّذِي هُوَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْحَاجُّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَقِيلَ عَنْهُ: إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} أَنَّهُ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ وَلَا قَصَّرَ لِثُبُوتِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ الْحِلَاقِ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَهُ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ. وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْجِمَاعِ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَفِي مُقَدِّمَاتِهِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَيَحْتَمِلُ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ الْإِنْزَالَ مَعَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ فِي الْحَجِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ في الحج، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلَّا الْإِنْزَالُ فِي الْفَرْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُفْسِدُ الْحَجَّ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِنْزَالُ نَفْسُهُ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرَجِ أَنْ يَهْدِيَ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ مِرَارًا في الحج، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ هَدْيٌ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُجْزِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ مَا لَمْ يَهْدِ لِوَطْئِهِ الْأَوَّلِ. وَعَنِ الشَّافِعِيِّ الثَّلَاثَةُ الْأَقْوَالُ، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ نَاسِيًا في الحج، فَسَوَّى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ هَدْيٌ؟
إذا وطأت في الحج فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا هَدْيٌ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ كَقَوْلِهِ فِي الْمُجَامِعِ فِي رَمَضَانَ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا - أَعْنِي: الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ -، وَقِيلَ لَا يَفْتَرِقَانِ، وَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا يَفْتَرِقَا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَيْنَ يَفْتَرِقَانِ؟
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا الْحَجَّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ. فَمَنْ أَخَذَهُمَا بِالِافْتِرَاقِ فَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَعُقُوبَةً، وَمَنْ لَمْ يُؤَاخِذْهُمَا بِهِ فَجَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِسَمَاعٍ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي الْجِمَاعِ مَا هُوَ؟
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ شَاةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَرَاهِمَ، وَقُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قَالَ: وَالْإِطْعَامُ وَالْهَدْيُ لَا يُجْزِي إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ. وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ الْإِحْرَامَ مِنْ وَطْءٍ أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ أَوْ إِحْصَارٍ فَإِنَّ صَاحِبَهُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَدْخُلُ الْإِطْعَامُ فِيهِ. فَمَالِكٌ شَبَّهَ الدَّمَ اللَّازِمَ هَاهُنَا بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالشَّافِعِيُّ شَبَّهُهُ بِالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ، وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَكَفَّارَةِ إِزَالَةِ الْأَذَى، وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ قَدْ وَقَعَا بَدَلَ الدَّمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَمْ يَقَعْ بَدَلَهُمَا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، فَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْإِطْعَامِ أَوْلَى، فَهَذَا مَا يَخُصُّ الْفَسَادَ بِالْجِمَاعِ.

.الْقَوْلُ فِي فَوَاتِ الْحَجِّ:

وَأَمَّا الْفَسَادُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ - وَهُوَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ - أَعْنِي: أَنَّهُ يَحِلُّ وَلَا بُدَّ بِعُمْرَةٍ -، وَأَنَّ عَلَيْهِ حَجَّ قَابِلٍ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا؟
فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ. وَعُمْدَتُهُمْ: إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابَلٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فَلَا هَدْيَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ. وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ وَكَانَ قَارِنًا هَلْ يَقْضِي حَجًّا مُفْرَدًا أَوْ مَقْرُونًا بِعُمْرَةٍ؟
فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي قَارِنًا لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِفْرَادُ، لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ، فَلَيْسَ يَقْضِي إِلَّا مَا فَاتَهُ. وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْهَدْيُ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ. وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مُحْرِمًا لَمْ يُجِزْ لِلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَمَنْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ أَجَازَ لَهُ الْبَقَاءَ مُحْرِمًا. قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ بِالنَّصِّ فِي الْحَجِّ. وَفِي صِفَةِ الْقَضَاءِ فِي الْحَجِّ الْفَائِتِ وَالْفَاسِدِ، وَفِي صِفَةِ إِحْلَالِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَقُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَمَا أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ مِنْ كَفَّارَةِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ، وَبَقِيَ أَنْ نَقُولَ فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي تَرْكِ نُسُكٍ نُسُكٍ مِنْهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ.

.الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا:

فَنَقُولُ: إِنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النُّسُكَ ضَرْبَانِ: نَسُكٌّ هُوَ سُنَّةٌ مُوَكَّدَةٌ، وَنَسُكٌّ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ. فَالَّذِي هُوَ سُنَّةٌ: يَجِبُ عَلَى تَارِكِهِ الدَّمُ، لِأَنَّهُ حَجٌّ نَاقِصٌ أَصْلُهُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ مِنْ نُسُكِهِ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَأَمَّا الَّذِي هُوَ نَفْلٌ فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فِي تَرْكِ نُسُكٍ نُسُكٍ هَلْ فِيهِ دَمٌ أَمْ لَا؟
وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ نَفْلٌ؟
وَأَمَّا مَا كَانَ فَرْضًا: فَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ فَرْضٌ أَمْ لَا؟
وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ دَمًا إِلَّا حَيْثُ وَرَدَ النَّصُّ، لِتَرْكِهِمُ الْقِيَاسَ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْعِبَادَاتِ. وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التُّرُوكِ مَسْنُونًا فَفُعِلَ، فَفِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَمَا كَانَ مُرَغَّبًا فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ فِعْلٍ لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَمْ لَا؟
وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ إِلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَشْهُورَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْكِ نُسُكٍ نُسُكٍ - أَعْنِي: فِي وُجُوبِ الدَّمِ، أَوْ لَا وُجُوبِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَنَاسِكِ إِلَى آخِرِهَا -، وَكَذَلِكَ فِي فِعْلِ مَحْظُورٍ مَحْظُورٍ. فَأَوَّلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ: مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمْ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟
فَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ. وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَمَشْهُورُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ رَجَعَ مُلَبِّيًا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ رَجَعَ غَيْرَ مُلَبٍّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ فَرْضٌ وَلَا يَجْبُرُهُ بِالدَّمِ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ في الحج: فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَدِي. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ الْفِدْيَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُونَ وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ دُخُولُهُ. وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَدِي مَنْ لَبِسَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ مَا نُهِيَ عَنْ لِبَاسِهِ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ لِعَدَمِ الْإِزَارِ هَلْ يَفْتَدِي أَمْ لَا؟
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَدِي. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدُ إِزَارًا. وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ: النَّهْيُ الْمُطْلَقُ. وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ فِدْيَةً: حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ». وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ في الحج: فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَالْقَوْلَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ هَلْ فِيهِ فِدْيَةٌ أَمْ لَا؟
وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ: هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَمْ لَا؟
وَقَدْ تَقَدَّمَ. وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَكَّسَ الطَّوَافَ أَوْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْ أَشْوَاطِهِ أَنَّهُ يُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ. وَاخْتَلَفُوا إِذَا بَلَغَ إِلَى أَهْلِهِ: فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِيهِ الدَّمُ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعِيدُ وَيَجْبُرُ مَا نَقَصَهُ وَلَا يُجْزِيهِ الدَّمُ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي الْأَشْوَاطِ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ سُنَّةً أَمْ لَا؟
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ. وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلُ يَدِهِ بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْحَجَرَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّمَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا تَرَكَهُ: فِيهِ دَمٌ. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَمْ لَا؟
فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَرْكَعُهُمَا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَرْكَعُهُمَا حَيْثُ شَاءَ. وَالَّذِينَ قَالُوا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَهُ وَلَمْ تَتَمَكَّنْ لَهُ الْعَوْدَةُ إِلَيْهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ أَمْ لَا؟
فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَعُودَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ دَمٌ إِنْ لَمْ يَعُدْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَوَاقِيتَ. وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً: سُقُوطُهُ عَنِ الْمَكِّيِّ وَالْحَائِضِ. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلِ الْحَجَرَ فِي الطَّوَافِ أَعَادَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ دَمٌ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ الْمَشْيُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؟
فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ كَصَلَاةِ الْقَاعِدِ وَيُعِيدُ عِنْدَهُ أَبَدًا، إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الرُّكُوبُ فِي الطَّوَافِ جَائِزٌ: «لِأَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالْبَيْتِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَشْرِفَ النَّاسُ إِلَيْهِ». وَمَنْ لَمْ يَرَ السَّعْيَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ. وَمَنْ رَآهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا. وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافَهُمْ أَيْضًا فِيمَنْ قَدَّمَ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ هَلْ فِيهِ دَمٌ إِذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ أَمْ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ؟
وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ عَادَ فَدَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الدَّمُ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَجَّ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ. وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الْوُقُوفِ بِهَا مِنْ بَابِ الْحَظْرِ، أَوْ مِنْ بَابِ الْكَرَاهِيَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَى انْقِضَائِهَا كَثِيرًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا فِي تَرْكِهِ دَمٌ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْأَسْهَلُ ذِكْرُهُ هُنَالِكَ. قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟
وَشُرُوطِ وُجُوبِهَا، وَمَتَى تَجِبُ؟
وَهِيَ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ لِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَقُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانِهَا، وَمَحْظُورَاتِهَا وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنَ الْأَفْعَالِ فِي مَكَانٍ مَكَانٍ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَزَمَانٍ زَمَانٍ مِنْ أَزْمِنَتِهَا الْجُزْئِيَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِهَا، ثُمَّ قُلْنَا فِي أَحْكَامِ التَّحَلُّلِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بِالْكَفَّارَاتِ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بَلْ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ، وَقُلْنَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ بِحَسَبِ مُوجِبَاتِهَا. وَفِي هَذَا الْبَابِ يَدْخُلُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا فَأُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَفْعَالِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَدَ بِالنَّظَرِ فَلْنَقُلْ فِيهِ:

.الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ:

فَنَقُولُ: إِنَّ النَّظَرَ فِي الْهَدْيِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ وُجُوبِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ سَوْقِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُسَاقُ؟
وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِسَوْقِهِ - وَهُوَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ؟
وَحُكْمُ لَحْمِهِ بَعْدَ النَّحْرِ. فَنَقُولُ: إِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ تَطَوُّعٌ: فَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ.
فَأَمَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ: هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ، وَهَدْيُ الْقَارِنِ بِاخْتِلَافٍ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ: فَهَدْيُ الْقَضَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيهِ الْهَدْيَ، وَهَدْيُ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَدْيُ إِلْقَاءِ الْأَذَى وَالتَّفَثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي قَاسَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِخْلَالِ بِنُسُكٍ نُسُكٍ مِنْهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا هِيَ: الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ، ثُمَّ الْمَعْزُ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا.
وَأَمَّا الْأَسْنَانُ: فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الثَّنِيَّ فَمَا فَوْقَهُ يُجْزِي مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي الْجَذَعُ مِنَ الْمَعْزِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبِي بُرْدَةَ: «تُجْزِي عَنْكَ، وَلَا تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ». وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِجَوَازِهِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا يُجْزِي فِي الْهَدَايَا إِلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْهَدَايَا أَفْضَلُ. وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مِنَ الْهَدْيِ شَيْئًا يَسْتَحِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرِّقَابِ وَقَدْ قِيلَ لَهُ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْهَدْيِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِائَةً.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ سَوْقِ الْهَدْيِ: فَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ هَدْيٌ «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ». وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَلَّدُ نَعْلًا أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النِّعَالَ. وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: تُقَلَّدُ، لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مَرَّةً غَنَمًا فَقَلَّدَهُ». وَاسْتَحَبُّوا تَوْجِيهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينِ تَقْلِيدِهِ. وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ، لِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِلْقِبْلَةِ، يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقِفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا، وَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ. وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبُدُنِهِ فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَلَمَّا اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَّلَ بِالْحَجِّ».
وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يُسَاقُ الْهَدْيُ؟
فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنَ الْحِلِّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: وُقُوفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْهُ كَانَ دَاخِلًا مِنَ الْحِلِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ تَوْقِيفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ مِنَ السُّنَّةِ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِدْخَالِ الْهَدْيِ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ أَنَّ النَّبِي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَذَلِكَ فَعَلَ وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ». وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّعْرِيفُ سُنَّةٌ مِثْلُ التَّقْلِيدِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ التَّعْرِيفُ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ. وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ التَّخْيِيرُ فِي تَعْرِيفِ الْهَدْيِ أَوْ لَا تَعْرِيفِهِ.
وَأَمَّا مَحِلُّهُ: فَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: {ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ} وَقَالَ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ}. وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا ذَبْحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّحْرَ بِمَكَّةَ إِحْسَانًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ. وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمَا لَا يُنْحَرَانِ إِلَّا بِالْحَرَمِ. وَبِالْجُمْلَةِ: فَالنَّحْرُ بِمِنًى إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ نَحْرِ الْمُحْصَرِ. وَعِنْدَ مَالِكٍ إِنْ نَحَرَ لِلْحَجِّ بِمَكَّةَ وَالْعُمْرَةِ بِمِنًى أَجْزَأَهُ. وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِالْحَرَمِ إِلَّا بِمَكَّةَ: قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ». وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ هَدْيَ الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ ذَبْحَهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
وَأَمَّا مَتَى يَنْحَرُ الهدي: فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إِنْ ذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ. وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي التَّطَوُّعِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ فِي كِلَيْهِمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا عُدِلَ مِنَ الْهَدْيِ بِالصِّيَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْهَدْيِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ، لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ لَهُمْ. وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِطْعَامُ كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
وَأَمَّا صِفَةُ النَّحْرِ للهدي: فَالْجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا لِأَنَّهَا زَكَاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ مَعَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرَ. وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَلِيَ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ جَازَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَدْيِهِ. وَمِنْ سُنَّتِهِ: أَنْ تُنْحَرَ قِيَامًا لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ}. وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي صِفَةِ النَّحْرِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبِلَحْمِهِ: فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً:
أَحَدُهَا: هَلْ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ؟
فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَكَرِهَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ رُكُوبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ. وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ: مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا». وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمَا قُصِدَ بِهِ الْقِرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْعُهُ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وَحُجَّةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ: ارْكَبْهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا هَدْيٌ، فَقَالَ: ارْكَبْهَا وَيْلَكَ، فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ». وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، وَزَادَ دَاوُدُ: «وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ شَيْئًا أَهْلَ رُفْقَتِهِ» لِمَا ثَبَتَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِالْهَدْيِ مَعَ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ». وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثُ فَزَادَ فِيهِ: «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ». وَقَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ. وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْهُ: فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ أَوْ أَمَرَ بِأَكْلِهِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ. وَمَا عَطِبَ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مَكَّةَ فَهَلْ بَلَغَ مَحِلَّهُ أَمْ لَا؟
فِيهِ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ هَلِ الْمَحِلُّ هُوَ مَكَّةُ أَوِ الْحَرَمُ؟
وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ بَيْعَ لَحْمِهِ وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْبَدَلِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْلِ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ حكمه، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كُلِّهِ، وَلَحْمُهُ كُلُّهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَكَذَلِكَ جِلُّهُ إِنْ كَانَ مُجَلَّلًا، وَالنَّعْلُ الَّذِي قُلِّدَ بِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ، وَفِدْيَةَ الْأَذَى. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَّا هَدْيَ الْمُتْعَةِ، وَهَدْيَ الْقِرَانِ. وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: تَشْبِيهُ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالْكَفَّارَةِ.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْهَدْيِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَفَّارَةٌ.
وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي بَعْضِهَا أَظْهَرُ، فَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى شَبَهِهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي نَوْعٍ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ؛ كَهَدْيِ الْقِرَانِ وَهَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَبِخَاصَّةٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ أَفْضَلُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا يَأْكُلَ، لِأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ عِنْدَهُ هُوَ فَضِيلَةٌ لَا كَفَّارَةٌ تَدْفَعُ الْعُقُوبَةَ. وَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْكَفَّارَةِ قَالَ: لَا يَأْكُلُهُ، لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْكَفَّارَةِ، وَلَمَّا كَانَ هَدْيُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهِمَا أَنَّهُمَا كَفَّارَةٌ لَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا. قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي حُكْمِ الْهَدْيِ، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِي سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ سَوْقِهِ، وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ مِنَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَصِفَةِ نَحْرِهِ، وَحُكْمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
وَذَلِكَ مَا قَصَدْنَاهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَبِتَمَامِ الْقَوْلِ فِي هَذَا بِحَسَبِ تَرْتِيبنَا تَمَّ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا.
وَلِلَّهِ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ كَثِيرًا عَلَى مَا وَفَّقَ وَهَدَى وَمَنَّ بِهِ مِنَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِعَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى الَّذِي هُوَ عَامُ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ.
وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ كِتَابِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي وَضَعْتُهُ مُنْذُ أَزْيَدَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا أَوْ نَحْوِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَزَمَ حِينَ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ أَوَّلًا أَلَّا يُثْبِتَ كِتَابَ الْحَجِّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَأَثْبَتَهُ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا.